موقع عائلة فلسطينية تهتم بأخبار أبناءها في الداخل والشتات
   
 
 
بحث يتناول الشاعر عبد الله بن المعتز (العصر العباسي الثاني)
بقلم: عبد المجيد موسى سالم
 
  مولده ونسبه
  بيئته
  طفولته وصباه
  شبابه اللاهي
  شيخوخته المبكرة
  الخلافة والوفاة
  أغراض شعره ( الفخر – الغزل – المدح – الهجاء – الخمر ... )
  خاتمة
مولده ونسبه :

ولد في سامراء "سر من رأى" مدينة المعتصم (1) في قصر البديع قصر المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

ويرى أكثر المؤرخين أنه ولد سنة 247 هجري وعاش ما يقرب من الخمسين عاما يقول:

بلغتُ الأَربعينَ وزدْتُ عَشْرا           وَصِرْتُ كَأَنني خَلْقٌ مُطَرَّى (2)

وحده هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم الملقب بالمتوكل على الله, وأمه كانت من الجواري (3) ولعلها كانت رومية الأصل مثل جدته المولودة في صقلية (4), والتي سماها المتوكل قبيحة (5) من أسماء الأضداد لحسنها وجمالها.

بيئته :

عاش بن المعتز غي عصر يصفه هو بنفسه بأنه: (الزمان المتلون الأخلاق المتداعي البنيان الموقظ للشر, المطلق أعنة الظلم والحابس لروح العدل).

وقد ضاعت في هذا الزمان هيبة الخلافة وفسدت شئون الدولة, وكثرت الفتن, ولم تكن حالة العصر الاقتصادية بأحسن من حالته السياسية, وأدى البذخ والترف وانغماس الخلفاء في اللهو والمجون وبناء القصور إلى ظهور طبقة أخرى معدمة قد تمرغت في وحل العوز والشقاء و الحرمان, ووصلت أخلاق الخلفاء والأمراء من الفساد حداً لم يعرف من قبل فقد مكر الخلفاء بآبائهم وإخوانهم وشاعت شريعة الغدر وكثرت الفتن.

ولكن على الرغم من صورة العصر القائمة فانه كان عصرا نابضا بالحضارة والثقافات والعلوم والآداب.

طفولته وصباه :

ولد الطفل الأمير في باحة النعيم, في بيت الملك وموئل الخلافة, ونعم في طفولته بترف النشأة ورفاهية العيش والحياة, لكن الأيام لم تمهله فقد أضمرت له ما عصف بهذه النعمة وهذه الطمأنينة, ولم يكن بن المعتز قد جاوز الثامنة عندما روُع بمقتل أبيه, وبانتهاء حياة أبيه تنتهي المرحلة المستقرة من طفولته وصباه, وكانت هذه الفترة التي شهدت مولد الشاعر ذات أثر كبير في نفسيته وشكــل شخصيتــه على النحو المتحرر المتردد (6).

لقد كانت فترة خطيرة شكلت حياته بظروفها المختلفة في مراحلها التالية, وكان بن المعتز يقول كلما تذكر هذه الفترة:

وَكانتْ يَدُ الأَيامِ تَفْتِلُ مِرَّتي            فَصَارت يَدُ الأَيامِ تَنقِضُني نَقضا (7)

وينفي بن المعتز بعد نكبته بأبيه مع جدته قبيحة إلى مكة حتى أفضت الخلافة إلى المعتمد الذي بعث يحملهم إلى سامراء (8), وقامت قبيحة على رعاية حفيدها, تحنو عليه وتحضر له المعلمين في فروع الثقافة واللغة والأدب والفقه والحديث.

شبابه اللاهي :

انطلق بن المعتز في ميدان الشهوات, مندفعا وراء لذاته, وذلك شأن الشباب الماجن اللاهي في ذلك العصر "وقد يكون في حياته ما دفعه إلى ذلك: إما سخط شديد على الحياة السياسية, وإما شك واستهانة بكل شيء، وإما محنة نزلت به أو إحساس بضربٍ من مضروب الإخفاق". (9)

ولعل لأصحابه من الشباب أثرهم في حياته اللاهية, إذ كانوا خليطا عجيبا من الشباب فيهم الشاعر وفيهم المغني وصانع الألحان وفيهم الخليع المتهتك الذي يطلق العنان لمجونه فلا تدري أهو إنسان أم شيطان!!

وديوان شعر بن المعتز يطفح بوصف الدِنان والكؤوس والسُقاة والخمرة المسفوحة من مثل قوله:

شَرِبْنــا بالكبيــــــرِ وَبالصغيـــــرِ            وَلمْ نَــحفلْ بِأَحداثِ الدُّهــورِ

وَقدْ رَكضـــتْ بنا خَيلُ المـلاهِي           وَقدْ طِرْنا بِأَجْـنحــــةِ السُّــرورِ  (10)

لقد ظفرت الخمر من بين أسباب اللهو بالمكانة الثانية في نفس بن المعتز – بعد المرأة – وفازت بحظ وافر من حفاوته ويرى أن فيها نفعا صحيا فيقول:

"أول خصائص الشراب جودة الهضم , ودفع مضرة الماء , وإزالة مكروه الأدواء" (11)

لهذا فإنه يتفنَن في تمجيدها ووصف مجلسها, وكان من المدمنين على معاقرتها حريصا على اقتناص اللذات، يقول:

قُمْ نَصْطبحْ فَليالي الوَصْلِ مُقمِرَة            كَأنَّها بِاجتماعِ الشَّمْـلِ أسْحــارُ

وَالدَّهرُ في غَفْلةٍ نامـتْ حَوَادِثـُــهُ            وَنَبَّهتنا إِلــى اللَّـــــذاتِ أوتــــارُ

أَمَا تَرى أَرْبعـــاً لِلَّهوِ قَـدْ جُمِعَـــتْ            جَنْكٌ وَعُودٌ وَقَانـــونٌ وَمِـــزْمـــارُ

فَخُــذْ بحظٍ مــن الدٌّنيــا فَلَذَّتُهــــا             تَفْنى وَتبقى رِوَاياتٌ وَأَخبــــــارُ   (12)

شيخوخته المبكرة :

يدهم الشيب بن المعتز في سن مبكرة ويحس بدبيب الشيخوخة في قارب نفسه وخلجات قلبه وذلك قبل سن الثلاثين, يقول:

وَمَشى الشَيْبُ قَبْلَ عِقْدِ الثَّلاثينَ           وَمَشى الشَيْبُ قَبْلَ عِقْدِ الثَّلاثينَ  (13)

وأكبر الظن أن الشيب عاجله في هذه السن المبكرة نتيجة ما تعاوره من المصائب والنكبات, وما كابده من هموم, ولهذا فانه لا يبالغ حين يقول:

شَيَّبتني وَلـــــمْ يُشَيبني السِّــ              نُّ هُمومٌ تَتْرى وَدَهْرٌ مَرِيدُ  (14)

وينزعج بن المعتز أيّما انزعاج عندما يشتعل رأسه شيباً ويراه سيفاً وصلتاً على لذاته, يقول:

سَــــلَّ المَشيـــــبُ سِيُـوفَــــهُ               فَسَطَا عَلى اللَّذَاتِ سَطْـــوا   (15)

لكن تُرى, هل ارعوى بن المعتز بشيبه وهل تراجع عن الجري وراء اللذة؟

أم ظل سادراً في غيه؟ أكبر الظن أنه ظل حاشاً ركابه الى صنوف اللهو, ولم ينكص على عقبيه قليلاً إلا بعد أن
لامه ذو قربته من الخلفاء والأمراء, وكان المعتضِد أشد هؤلاء لوما له, يقول بن المعتز:

نَهاني الإِمَامُ عَن سَـفَهِ الكـــأ              سِ فَرُدّتْ عَلى السُّقَاةِ المُــــدامُ

عُفْتُها مُكرَهاً ولــذّات عَيـــشٍ               قَــامَ بَيـني وَبينَهُــنَّ الإِمَــــــــامُ     (16)

وأخذ بن المعتز يقضي جزءاً غير يسير من وقته في الإطلاع والتفكير والتأليف ونظم الشعر, واختلفت حياته في هذه المرحلة عن مرحلة الشباب اللاهي بشيءٍ من الجد والعمل والنشاط الفكري واجتمعت حياته على نقيضين انحطاط الجُهّال وثقافة المفكرين.

الخلافة والوفاة :

لما مات المكتفي بالله (علي بن المعتضد) سنة 295 هـ, تولى الخلافة أخوه المقتدر بالله (جعفر بن المعتصم) و هو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة, و من المؤكد أن تولية المقتدر كانت غير شرعية (17) لذلك اجتمع عدد من القواد و الكتاب و القضاة على خلع المقتدر و تولية بن المعتز إلا أنه لم يهنأ بالخلافة حيث قتل دونها, و بعد أن تولاها يوما و بغض يوم و أصبحت خلافته تضرب مثلا فيما لا تطول مدته و يسرع انقضاؤه.   (18)

و يروى أن بن المعتز قال في الليلة التي قتل فيها و هو في سجنه:

يـا نَفْـسُ صَبْرَا لَعَلَّ الخَيرَ عُقْباكِ               خَانَتْكِ مِنْ بَعْدِ طُولِ الأَمنِ دُنيـــاكِ

أَظُنهُ آخِرَ الأَيــــــامِ مِن عُمـــري              وَيُوشكِ اليَومَ أَنْ يَبكي ليَ البَاكِي   (19)


وهكذا خرج بن المعتز من هذه الدنيا غريبا مهملا, و بهذه الطريقة المحزنة انتهت حياته التي كانت ملء العين والأذن في سامراء وبغداد.

أغراض شعره :

تفتحت شاعرية بن المعتز في سنه المبكرة فنظم الشعر وهو في التاسعة من عمره وقد تهيأت له كل البواعث والدواعي لنظم الشعر وذلك بالتثقيف والجهد وطول المران. وقد نظم في كل أغراض الشعر وموضوعاته التي كانت معروفة في عصره والعصور السابقة, فافتخر وتغزل ومدح وهجا ورثى وعاتب ونظم في الطرد والخمر والزهد وغير ذلك, وقد عبر في شعره عن "ذاتيته" من خلال أغراض شعرية متعددة.

فنُّ الفخر:

وبن المعتز حين يفتخر يجد لفخره مبرراته فهو من الدوحة الكريمة النسب ولا غرابة في أن يقول:

وَنسَــبٍ فَصيــــــــحٍ              يَنْطِقُ عنّي جَهْرا   (20)

إنَّ نشأته في بيت الخلافة قد مكنت فيه نزعة المفاخرة فراح يتغنى ذاته معتزاً بآبائه ومفاخرتهم, يقول:

تَلاقتْ فُروعُ المجـدِ فَوقي بِظِلّـها              وَمَغْرَسُها حتى العُروقِ خَصِيبُ

وَقامتْ وَرائي هَاشمٌ حَذَرَ العِــدا               وَذادتْ بيَ الأَحداثَ حينَ تَنـوبُ      (21)

وهو الذي يفخر بقومه فخر عزةٍ وإعجاب حيث يقول فيهم:

إِنّي مِنَ القَومِ الذينَ بِهم               فَخرتْ قُريشٌ على بني كعبِ

لهم وراثةُ كـلِّ مُكرَمـــــةِ              وَبهم تٌغَـلَّــــــقُ دَعـوةُ الكَـربِ   (22)

وكذلك هو عندما يفتخر بالشجاعة والإقدام يسبغ على نفسه صفات البطولة، يقول:

إِذا شِئْــتُ أَوْقـــرتُ البــلادُ حَوافِـــــراً               وَسارتْ وَرائِي هَاشمٌ وَنزارُ

وَعمَّ السَّمـــــاءَ النَّـقـعُ حتى كأنَّـــــهُ               دُخانُ وَأَطرافُ الرِّماحِ شَــرارُ

سَلي بي إِذا مَا الحربُ ثَارتْ بِأَهلِـــها               وَلم تكُ منها للجَبـانِ قــــرارُ

وَدارتْ رَحىً للمَوتِ وَالصبــرُ قُطْبُـــها                وَأَكثرُ ما فيهــــــا دمٌ وغُبــارُ    (23)

والحقيقة أننا لم نعهد بن المعتز - من خلال أخباره في كتب السير والتاريخ - رجلاً من رجال الحرب ولم نسمع أو نقرأ ما يؤيد هذا الافتخار بالبطولة الحربية, فهو بفخره بالبطولات المزعومة يحاول أن يبعد عن نفسه شبح الإخلاد إلى الاستكانة والهزيمة والذل والهوان, وما هذا الفخر إلا تفريجا عن القلب وتعزية للنفس.

ومما افتخر به بن المعتز الجود والكرم فهو يقري الضيف يقول:

وضيفٍ رمتنـــــي ليلــــــةٌ بــوَادهِ               فَحيّاهُ بِشْرِي قَبـلَ زادي وَحـيَّيتُ

وَغابَ بمُمْسِي لَيلةٍ غَابَ شرُّهَـا               وَقُمْـتُ فَأَطعمتُ الثَّناءَ وَ أَسقيـتُ    (24)

وافتخر بن المعتز بالوفاء فقال:

ثِـــقْ بِالوفــاءِ فَإِنــــي لا يُضيرُني               طُــولُ الفِراقِ وَلا هَجرٌ وَلا ظَعَنُ

وَلا الخيانةُ مِـن شَأني وَلا خُلقي                فَليسَ عِنـدي لهـا عَينٌ ولا أُذُنُ     (25)

فنُّ الغزل:

بن المعتز من الشعراء الغزليين الذين يحبون الجمال ويغرقون في تأمله وتتبعه, ولق تعشق الجمال واستمتع به وكان قادرا على لغة الغزل خبيرا بلغة العيون, يقول:

يَا منْ يُسَارِقني النَّظـرْ              وَإِذا نَظرتُ إليـــهِ فَرْ

مِالي أَرى لحظاتِ عَيــ               ـنِكَ عندنا لا تستقرْ

إِنْ كنتَ تِبخلُ بِالكــــلا               مِ فَلا أَقلَّ مِن النظرْ    (26)

ويقول في النهود :

أَقاتِلتي بِفُتورِ الجفــونِ              وَرُمَّانتينِ علـــى مِنْبَرْ

كحُقينِ مِنْ لُبِّ كافـورةٍ               بِرأْسَيهما نُقطتا عَنبرْ      (27)

وقد تشبَّب بن المعتز بكثير من النساء إلا أنه تعلق أكثر ما تعلق بِـ (شِرَّة) والتي كان غزله بها غزلاٍ صادقاً يرمز الى عواطف حقيقية فهو يقول:

أَلا أَيها القَلبُ الـــذي هامَ هيمةً               بِشّرةَ حتى أَلانَ هَل أَنتَ راجــــــعُ
إِذِ الناسُ عن أَخبارِنا تحتَ غَفــلةٍ               وَفي الحبِّ إِسعافٌ وَللشملِ جَامعُ
وَإذْ هيَ مثلُ البدرِ يفضحُ ليـلَـــةُ               وَإذْ أَنا مُسْــوَدُّ المفــــــــارقِ يَافِــعُ     (28)

ولعلها كانت حبه الأول ظفر بها في فجر غرامه بالمرأة ونعم بها مدة من الزمن ولعلها كانت من النوع العنيد فقد استطاعت أن تصمد أمامه ولم تسقط بسهولة ولهذا دار كثير من غزله بها حول الوصل والهجران والشكوى والسهر وغير ذلك من المكابدة التي نراها في الحب الصادق فهو القائل:

شفّعيني يا شِرُّ في رَدِّ قلــبي              فَلقد طَالَ حبسُ قلبي لديــكِ

وَأْذِني في الرُّقادِ كـي إنَّ عيني             تَستعيرُ الرُّقادَ مــــن عينيــكِ

أَوهِبي لي صبراً أردُّ بـــه الدَّمـ                ـعَ فإني أَخافُ دَمعي عليــكِ    (29)

فنُّ المدح :

إنّ شعر بن المعتز في المدح لم يكن نادرا وكان في مدحه لا يتذلل أو يتضاءل, وينقسم ممدوحوا بن المعتز على فئات ثلاث:

الخلفاء, والوزراء, وأصحابه الأدباء, وأول ممدوحيه من الخلفاء عمه المعتمد على الله (أحمد بن المتوكل بن المعتصم)

وهو الذي أعاده مع جدته من المنفى في مكة إلى سامراء وأطلق سراحه, وفي قصيدة لابن المعتز يمدح بها المعتمد عندما رجع من مقتل البصري الثائر على الخلافة قال:

أهلاً وَسهلاً بالإمامِ ومرحبــــــاً              لو أستطيع إِلى اللقاءِ سَبيــلاً

مَلِكٌ إِذا وَطئَ الحروبَ خميسُهُ              تَرك َالحُزونَ من الحُزونِ سُهُولاً

وَتحكَّمتْ كفّاهُ فــــــي أَعدائــهِ              يَقضي بأنْ يَدَعَ العزيــــزَ ذليـلاً       (30)

أما الخليفة الذي نال قدرا طيباً من مدائح الشاعر فهو المعتضد بالله والذي تصنعه كتب التاريخ بأنه كان شجاعا, مهيبا، قام بالأمر خير قيام وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته, وقال فيه بن المعتز:

لمَّا رأيتَ المُلكَ شظّى عودُهُ              وَهَوَتْ كواكبُ سَعْدِهِ لِغُروبهـا

حَرّكتْ تَدبيراً عَليهِ سَكينــــةٌ              وَخلطتْ ضحكةَ حازمٍ بقُطُوبها    (31)

ومدحه في أبيات أخرى منها:

حَكمْتَ بعدلٍ لم يَرَ النَّاسُ مثلَهُ              وَداويتَ بِالرفقِ الجُموحَ وبِالقهــرِ

وَلا بَأسَ أنكس من تثبُّتِ حازمٍ              ولا دِرْعَ أوقى للنفوسِ مـن العُمْرِ    (32)

فنُّ الهجاء :

ينقسم شعر بن المعتز في الهجاء إلى نوعين: هجاء سياسي, وهجاء شخصي, أمّا هجاؤه السياسي فقد وجهه ضد خصوم الدولة من العلويين والشعوبيين والخارجيين على الدولة. يقول بن المعتز في هجاء الطولونيين العلويين الذين كانوا يناوئون الخلافة في بغداد:

أتيناكــــمُ يا آلَ طولونَ بالقنـــــا               وبالبيضِ لا يَسْكُنَّ عيرَ ضــــــرابِ

وهَلْ أنتمُ إلا أنامــــلُ قُلِّمـــــتْ               وأسنانُ عنزٍ لا تقــــــضُّ بنــــابِ

عَبَأنا لكمْ جيشاً تجيشُ جموعُهُ               إليكـمْ بآســــادٍ وأشْبُــل غــــابِ

فهلْ لكمْ في أنفسِ قبلَ قتلِهـا               وفي العفوِ منّاً قبلَ سوَطِ عـذابِ

وإلا فطعنٌ في الجوائح والكُلَــى              وتغليقُ هاماتٍ وضربُ رقــــــابِ    (33)

أما هجاؤه الشخصي فكان لاذعا هبط به إلى درجة الإسفاف والابتذال وعمد فيه إلى الألفاظ المكشوفة والتصريح بالسوءات , ولعل أكثر صورة الهجائية إيلاما وسخرية تلك التي قالها في الذي تزوج "شِرَّة" التي كان مغرما بها ويقال له "البّقال المغني"

قال:

زَوَّجوا ويلهم شُريرةَ بالبقّـــال              يا حُسْنَها ويا قُبْـحَ بَعْــــــلِ

قُلتُ ما كان مَهْرُهَـا؟ قيـلَ من             بُرٍّ ومن كافحٍ وزيتٍ وخـــــلِ

أيقني منـهُ يـــــا شُريرُ بفقـرٍ             وهوانِ صرفٍ وجوعٍ وهــــزلِ

وخذي الرأيَ من نصيحٍ بشكرٍ              ليسَ بعلاً زُوَّجتِ لكنْ ببغـلِ

فاركبيهِ طوعــــاً وكرهاً إلينـــا              واربطيهِ يا شِرُّ في غيرِ ظلِّ

وإذا مــــا سمـــعتِــهِ يتغنــّى              فاصفعيه وأوجعيـه بنعــــلِ

فكأنَّ الأنفـاسَ منـــــهُ ريـــاحٌ              حَملتْ ريحَ جيعةٍ يَومَ طــــلِّ     (34)

فنُّ الخمر :

لقد تعلقت نفس بن المعتز بالخمر , وتملكت مجالسها زمام لهوه ومجونه وتشبث بها وتغنى بها في شعره لأنها اتصلت بحالته النفسية القلقة اشد الاتصال ورأى فيها خير وسيلة للتنفيس عن هموم نفسه, فأصبحت الخمر ملاذه, وعرف الناس فيه هذا الحال, بل بدا كما لو كان مسوقا وراء شيطانها لا تعنيه أقاويل وانتقادات الآخرين, بل إنها في نظره عروس قد سلبت لبه, قال:

وعروسٍ زُفَّتْ على بَطْنِ كفٍّ              في قميصٍ مُنَقّشٍ بِزجاجِ    (35)

وهو يحبها معّتقة لم تخلط بماء أو شراب يقول:

أقول لساقي السَّراحِ لا تَعْقِرَنَّهَا              بِماءٍ وأحزاني بِصرْفكَ فاعْقــــــرِ

ولا تسقينها بنت عـــــامٍ فإنهــا               كـما هي في عُنقودها لم تغيّرِ

ولكن عقاراً أمَّ دهـرٍ تقادمــــــت              فلمْ يبقَ منها غيرُ ريحٍ ومنْظَـــرِ    (36)

ويصف رائحتها فيقول:

عَبقتْ أكفُهُمُ بها فكأنمـــا              يتداولونَ بها سحابَ قَرَنْفُلِ    (37)

ويقول بن المعتز الذي عاقر الخمر لقتل همومه وإراحة نفسه:

فاشربْ على زهـر الرياضِ يشوبُهُ              زهرُ الخدودِ وزهـــــــــرةُ الصَّهبــاءِ

من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعثُ الـ              شوقَ الذي قد ضلَّ في الأحشـاءِ    (38)

لقد عشق بن المعتز الخمر عشقا, ووجد فيها حياة أخرى بعد أن هرب من حياته الواقعية:

شربتُ الراحَ في الحاناتِ صِرْفاً              لها أرجٌ يَجِلُّ عـــن الصفــــاتِ

عَجِبْتُ لعاصيها كيفَ ماتـــــــوا              وقد عصروا لنـــا ماءَ الحيـــاةِ     (39)

ورغم ذلك فهو يشربها ويرجو عفو الله يقول:

وأشربُها وأزعُمُها حرامٌ              وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ    (40)

خاتمة :

حاول هذا البحث أن يقف على صورة بن المعتز ويلقي أضواء تساعد على تفهم النفسية التي يصدر عنها الشعر ولذلك واكب البحث رحلة حياة بن المعتز الذي ولد في ظلال النعيم والترف وعاش طفولة هانئة لكن هذه الحياة سرعان ما انتقلت إلى حياة البؤس واليأس والنفي والإبعاد وكان لذلك أثره في نفسيته, وقد دفعته ماساته إلى الاستهانة فانطلق في ميادين اللذة واندفع في تيار المجانة واللهو وانزلق إلى الهاوية وبذل كل شيء في سبيل اقتناص المسرة والمتعة ملتمسا بذلك السلوى لينسى أحزانه ويخفف من آلامه.

أن هذه الشخصية الغريبة كانت أصلا من أصول البلاغة العربية فقد أنتجت شاعرية ديوانا ضخما عبر في أكثره عن جوانب حياته الخاصة, اتصف بحسن الصياغة وسهولة الألفاظ وقرب المعني, واستطاع إن يلاءم بين الألفاظ والمضمون فأتى بأسلوب سهل يقرب من لغة الحياة دون أن يفقد طابع الفن, وقد نتج عن البساطة اللغوية والوضوح اللغوي في شعر بن المعتز, صور شعرية تتسم بالبساطة والوضوح أيضا.

وشعره يعبر عن تجارب حية عاشها وترجمها بصدق وأمانة, إلا أن الذاتية تعتبر السمة البارزة في شعره, ومما يوضح ظهور الذاتية في شعره كثرة استخدامه لضمير المتكلم الذي يبرز شخصية بن المعتز الشاعر والأديب الذي يمثل العصر العباسي الثاني في أحسن ملامحه.

هذه هي شخصية شاعرنا الماجن البارع, الشاعر الخليفة .............. خليفة ليوم واحد.

 
 
Copyright 2008 © Salem Family. All rights reserved