موقع عائلة فلسطينية تهتم بأخبار أبناءها في الداخل والشتات
   
 
 
ثقافة الأرقام / بقلم د. زاهر سالم
 
بدأت حكايتي مع الأرقام منذ عقد من الزمان عندما كنت أكمل تعليمي العالي في إحدى جامعات أوروبا وكنت أقطن في غرفة منفردة بالسكن الداخلي للجامعة. كانت الغرفة مطلة على الشارع الرئيس إلا أن وقوعها على الطابق الرابع عشر وفر لي الهدوء والطمأنينة كي أتابع العلوم الهندسية بعناية ودقة. ذات يوم قررت أن أصلح ما أفسده الزمان في باب غرفتي، فقد كان الباب خشبيا قديما إلا أنه مطلي ونظيف وذا إطار متين ومثبت في الحائط، فقررت أن أغير الحمالتين لهذا الباب، وبالفعل اشتريت بنفسي حمالتين جديدتين وبضعة مسامير وعدة براغي واستعرت منشارا وشاكوشا ومفكا، وفي صباح متأخر ليوم العطلة الأسبوعية فككت الباب وبدأت بالعمل في الممر وبهدوء، سار عملي بهدوء ودقة وإتقان وقبل أن أفرغ منه إذا بأحد الزملاء الأوروبيين يهرع باتجاهي، يقف بقربي وينظر إلي بانبهار وعجب شديد!!! ثم يسألني وقد تملكته الدهشة، هل تستطيع أن تستعمل المفك؟ هل تعرف كيف تدق المسامير؟ 
هل أنت الذي ثبت هاتان الحمالتان اللامعتان؟ فأجبته نعم أنا، وما الغريب في هذا؟ فقال لي أنه مندهش جدا حيث أن ما عرفه عن العرب هو أنهم أناس نظريون، شعراء وتجار وبعيدون كل البعد عن العمل الهندسي أو المهارات اليدوية. نظرت إليه مستغربا من قوله وسردت له الكثير عن المهنيين العرب وخاصة في بلاد الشام وختمت حديثي بأنهم يحيون محركات السيارات التي تزيد أعمارها عن نصف القرن بفضل مهاراتهم اليدوية وإبداعهم التقني.

مرت الأيام بسرعة وعدت إلى الوطن الغالي وبدأت أمارس حياتي كبقية الناس إلا أن هذا الموضوع عاد ليطرح نفسه أمامي في كل يوم وفي الكثير من الأمور الحياتية، فبدأت أعير ملاحظة ذاك الأوروبي انتباها وأحلل العديد من مفاهيمنا التي تعمقت فينا عبر السنين.
بدأت أدقق في وصفنا للمواعيد، فمثلا معظمنا يلتقي أصدقاؤه ولكن ترى كيف يتم ربط المواعيد؟ نقول للصديق عبر الهاتف: ألاقيك غدا بعد العصر أو بعد المغرب أو بعد العشاء! أليس كذلك؟ قليل منا من يحدد الساعة وقليل من يذكرها بالأرقام!
أما عن وصف الأماكن، فحدث ولا حرج، فنحن نقول بيتنا يقع على الشارع الفلاني بالقرب من محطة بنزين "كازية" فلان أو بجانب كراج أو سوبر ماركت فلان، لا نستخدم اسم الشارع ورقم البيت إلا نادرا.
أما في تعليمنا لأولادنا فنحن نقول لهم أن الفهد أسرع حيوانات الغابة ونادرا ما نذكر أن سرعته تبلغ تسعين كيلومترا في الساعة. هل تعلموا أن الكثير من المدارس الابتدائية الأجنبية توصف للأطفال شجرة التفاح عبر الشكل واللون وألوان الثمار والرائحة، ثم الارتفاع بالأمتار ووزن الحبة وتقدير الحمل السنوي بالكيلوجرام، هذا ما يتعلمه الأطفال فما بالكم بالمزارعين؟
كما وتستخدم الكثير من الشعوب لغة الأرقام لتظهر عظمة ثقافتها وارثها الحضاري، فمثلا لو كان لديهم متحف فيه ثلاثة ملايين تحفه نجدهم يصفونه كالتالي: إن أي إنسان يرغب في مشاهدة كافة هذه التحف سيحتاج إلى الوقوف لمدة دقيقة واحدة أمام كل تحفة وذلك لمدة ثمانية ساعات في اليوم ولمدة خمسة عشر عاما!!! كم وقع هذه العبارة كبيرا في النفوس؟ أو عندما يصفون سفينة بحرية مثلا فنراهم يقولون الطول والعرض والارتفاع وعدد الغرف وما فيها من منشئات أخرى ويضيفون على ذلك أنها بحجم عمارة من عشرة طوابق وذات عشرون مدخلا وفي كل طابق أربعة شقق لنفس المدخل، كم هذا الوصف مؤثرا! إنهم يتقنون التعامل بثقافة الأرقام وهي تنبع من تراكمات ثقافتهم وأسلوبهم في التفكير. إنهم يحولون معظم الأشياء إلى أرقام ومن ثم يعرفون ما الذي يدور حولهم ويسيطرون على الحاضر والمستقبل.
لربما يقول قائل بان الحياة تصبح جافة عند اعتماد هذا النهج وتبني ثقافة الأرقام، نعم إن لم يتم في الموضع المناسب وان كان بشكل مطلق، فهنالك الكثير من الأمور الواجب فيها تغييب الأرقام ولكننا بحاجة ماسة إلى إدخالها في مواضيع كثيرة ومحورية في حياتنا.
ينتابني العجب كثيرا عندما أتابع بعض التقارير الفنية والمعدة من قبل مهندسين في بلادنا، فأجد الفوارق في الأرقام التقديرية لشيء ما تصل إلى عشرات الملايين مع أن الدراسة أعدت حول نفس الموضوع ولكن من قبل فريقين مختلفين من المهندسين والباحثين!!! هذا موجود وجلي للكثيرين ولكن لابد لنا من البحث في الأسباب.
إن اعتماد النهج العلمي والمنطقي في البحوث والدراسات وإعداد التقارير الفنية لهو العامل الرئيس للتغلب على "الفقر الفني" في تقاريرنا وفي تناولنا لأمور حياتنا.
إن تعليم الأطفال وتثقيفهم عبر الأرقام منذ بداية حياتهم يكسبهم الكثير من القدرات التحليلية في المستقبل، ولابد لنا أن نذكر دائما أن الأرقام التي تستخدمها وتكتبها أرقى دول العالم الحالي هي الأرقام العربية وأن العرب هم من أوجد الصفر الحسابي في العلوم.
 
Copyright 2008 © Salem Family. All rights reserved